ابراهيم بن عمر البقاعي
53
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
يسير من المشرق إلى المغرب في خطوة لفعل » « 1 » ومع ذلك فليسوا من الدنيا وليست الدنيا منهم ، فيؤتيهم اللّه ملكا من ملكه - ظاهر هداية من هداه ، شأفة عن سره الذي يستعلن به في خاتمة يوم الدنيا ليتصل بظهوره ملك يوم الدين ، والملك التلبس بشرف الدنيا والاستئثار بخيرها ؛ قال أبو بكر لعمر رضي اللّه تعالى عنهما في وصيته : إذا جنيت فلتهجر يدك فاك حتى يشبع من جنيت له ، فإن نازعتك نفسك في مشاركتهم فشاركهم غير مستأثر عليهم ، وإياك والذخيرة ! فإن الذخيرة تهلك دين الإمام وتسفك دمه . فالملك التباس بشرف الدنيا واستئثار بخيرها واتخاذ ذخيرة منها . لما أرادوا أن يغيروا على عمر رضي اللّه تعالى عنه زيه عند إقباله على بيت المقدس نبذ زيهم وقال : إنا قوم أعزنا اللّه بالإسلام ! فلن نلتمس العزة بغيره . فمن التمس الشرف بجاه الدنيا فهو ملك بقدر ما يلتمس من شرفها قل ذلك الحظ أو جل ، وهو به من أتباع ملوك الدنيا ، وكذلك من التمس الاستئثار بخيرها واتخذ الذخيرة منها ، كل ينال من الملك ويكون من شيعة الملوك بحسب ما ينال ويحب من ذلك حتى ينتهي إلى حشره مع الصنف الذي يميل إليه ، فمن تذلل وتقلل وتوكل بعث مع الأنبياء والمرسلين والخلفاء ، كما أن من تشرف بالدنيا واستأثر وادخر منها حشر مع الملوك والسلاطين ؛ جلس عمر رضي اللّه تعالى عنه يوما وسلمان وكعب وجماعة رضي اللّه تعالى عنهم فقال : أخبروني أخليفة أنا أم ملك ؟ فقال له سلمان رضي اللّه تعالى عنه : يا أمير المؤمنين ! إن جبيت درهما من هذا المال فوضعته في غير حقه فأنت ملك ، وإن لم تضعه إلا في حقه فأنت خليفة ، فقال كعب : رحم اللّه تعالى ! ما ظننت أن أحدا يعرف الفرق بين الخليفة والملك غيري ، فالتزام مرارة العدل وإيثار الغير خلافة وتشيع في سبيلها ، ومنال حلاوة الاستئثار بالعاجلة شرفها ومالها ملك وتحيز لتباعه - انتهى . وفي تقديم الإيتاء على النزع إشارة إلى أن الداعي ينبغي أن يبدأ بالترغيب وَتَنْزِعُ قال الحرالي : من النزع ، وهو الأخذ بشدة وبطش - انتهى . الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وفيه إشارة إلى أن الدعاء باللين إن لم يجد ثني بالترهيب ، وعلى هذا المنوال أبرز قوله : وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ أي إعزازه وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ أي إذلاله ، وهو كما قال : « إن رحمتي سبقت غضبي » « 2 » قال الحرالي : وفي كلمة النزع بما ينبئ عنه من البطش والقوة ما يناسب
--> ( 1 ) لم أجده بعد . ومراده المهدي وأتباعه . ( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 3194 ، 7422 ، 7453 ومسلم 2751 والترمذي 3537 وابن ماجة 189 و 4295 وابن أبي شيبة 13 / 180 والحميدي 1126 وأبو يعلى 6281 وأحمد 2 / 258 ، 259 ، 260 ، 358 كلهم من حديث أبي هريرة .